| نتنياهو- أوباما: خلاف حول الرواية التاريخية لنشوء إسرائيل |
|
|
|
ليس من الصعب على المتابع لتاريخ إسرائيل والحركة الصهيونية ملاحظة أن قدرا كبيرا من الجهود والتحركات السياسية الإسرائيلية الخارجية قد خُصّص ولا يزال من أجل تحقيق غاية إضفاء شرعية دولية على الرواية التاريخية الصهيونية بشأن وقائع الصراع في فلسطين منذ بدايته وصولا إلى إقامة دولة إسرائيل على أنقاض وطن الشعب الفلسطيني عام 1948، خاصة مع تعاظم الاستئناف على تلك الرواية في العالم أجمع، وفي ظل تحرير روايات تاريخية مضادة من ربقة هيمنة "الهستوريوغرافيا" الصهيونية داخل إسرائيل نفسها، وأساسا من جانب تيار تاريخي نقدي أطلق على المنضوين تحت كنفه اسم "المؤرخين الجدد".وإذا ما تركزنا في الفترة الحالية فإن هذا الحكم ينطبق، مثلا، على الغاية المتوخاة من تواتر مطلب الاعتراف بـ"يهودية" دولة إسرائيل، خلال الأعوام القليلة الفائتة، وتحديدا منذ عام 2003. وسبق للدكتور عزمي بشارة أن رأى، بحق، أن الأمر الأعمق فيه هو تطلع إسرائيل إلى أن يتحوّل الاعتراف بها اعترافا بالصهيونية وممارساتها الكولونيالية، وبالتالي يتحول الاعتراف العربي من اعتراف بحكم الأمر الواقع إلى اعتراف مبدئي بشرعيتها التاريخية، وهذا لا يعني إلاّ أنها كانت تاريخيا على حق، والعرب على خطأ. وفي ما عدا نفيه حق العودة للاجئين الفلسطينيين فإن مثل هذا الاعتراف، إذا ما حدث، هو برأيه "إنجاز سياسي معنوي ثقافي (للحركة الصهيونية والدولة العبرية) يعادل إقامة دولة إسرائيل لا في الواقع الملموس فحسب، بل في الثقافة والفكر والخطاب السياسي أيضا" (مقاله "دوافع إسرائيل إلى الاعتراف بها دولة يهودية". مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 19، عدد 73، شتاء 2008). وفي سياق متصل بتنا في الآونة الأخيرة نشهد مسارا شبيها يتعلق بـ"جوهر الحق اليهودي" في فلسطين، وذلك من ناحية كونه المبرّر الرئيسي لشرعية إقامة دولة إسرائيل، ومن ناحية أولويته، غير القابلة للتأويل، على أي ظروف أخرى وقفت وراء إقامتها من وجهة النظر السياسية - التاريخية، وفي مقدمها قرار التقسيم الأممي عام 1947 وما ساهمت المحرقة النازية (الهولوكوست) فيه من تأثير في الاصطفاف الدولي المؤيد لذلك القرار. ويمكن القول إن الدافع المباشر لهذا المسار، ناهيك عن مواجهة الرواية التاريخية العربية والفلسطينية، كان إحدى الفقرات الواردة في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة، يوم 4 حزيران 2009، والتي انطوت على تلميح واضح الى أن قيام إسرائيل لا يعدو كونه أحد استحقاقات "العذابات اليهودية" التي بلغت ذروتها في المحرقة النازية. وجاء فيها حرفيا ما يلي: "لقد تعرّض اليهود على مرّ القرون للاضطهاد، وتفاقمت أحوال معاداة السامية في وقوع المحرقة التي لم يسبق لها أي مثيل عبر التاريخ، وإنني سوف أقوم غدا بزيارة معسكر بوخينفالد، الذي كان جزءا من شبكة معسكرات الموت التي استخدمت لاسترقاق وتعذيب وقتل اليهود رميا بالأسلحة النارية وتسميما بالغازات. لقد تم قتل ستة ملايين من اليهود، يعني أكثر من إجمالي عدد اليهود بين سكان إسرائيل اليوم. إن نفي هذه الحقيقة هو أمر لا أساس له وينم عن الجهل وعن بالغ الكراهية، كما أن تهديد إسرائيل بتدميرها، أو تكرار الصور النمطية الحقيرة عن اليهود، هما أمران ظالمان للغاية ولا يخدمان إلا غرض استحضار تلك الأحداث الأكثر إيذاء إلى أذهان الإسرائيليين، وكذلك منع حلول السلام الذي يستحقه سكان هذه المنطقة". وقد أثار تلميح أوباما هذا، على الفور، موجة من الجدل في الخطاب السياسي الإسرائيلي. وسرعان ما انعكس ذلك في الخطاب الذي ألقاه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في جامعة بار إيلان، في 14 حزيران 2009، والذي اعتبر، في الحدّ الأقصى، بمثابة ردّ على خطاب أوباما السالف. ولدى العودة إلى ما قاله نتنياهو في هذا الخطاب نطالع ما يلي: "إن حق الشعب اليهودي في أن تكون له دولة في أرض إسرائيل (فلسطين) لا ينبع من سلسلة الويلات التي ابتُلي بها. صحيح أن اليهود تعرضوا خلال ألفي عام لمعاناة فظيعة تتمثل بعمليات الترحيل والمذابح والافتراءات والقتل مما بلغ ذروته في المحرقة النازية التي لم يكن لها مثيل أو نظير في تاريخ الأمم والشعوب. وهناك من يقول إنه لولا وقوع المحرقة لما كانت دولة إسرائيل ستقوم، لكنني أقول إنه لو قامت دولة إسرائيل في موعدها لما كانت المحرقة ستقع أصلا. إن المآسي الناتجة عن عجز الشعب اليهودي توضح سبب احتياج شعبنا إلى قوة حامية سيادية تتبع له. غير أن حقنا في إقامة دولتنا هنا في أرض إسرائيل مردّه حقيقة واحدة بسيطة: إن هذه الأرض هي وطن الشعب اليهودي وهنا نشأت هويتنا، كما قال ذلك رئيس الحكومة الأول ديفيد بن غوريون لدى إعلانه عن إقامة الدولة: "نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل، وفيها تمت صياغة شخصيته الروحانية والدينية والسياسية، وفيها عاش حياة مستقلة في دولة ذات سيادة، وفيها أنتج ثرواته الثقافية الوطنية والإنسانية العامة وأورث العالم أجمع سفر الأسفار الخالد" [اقتباس من الفقرة الاستهلالية لـ"وثيقة استقلال دولة إسرائيل"]. لكن الجدل، في هذا الشأن، لم يتوقف عند ما قاله نتنياهو فحسب، بل تُسمع أيضا أصوات أخرى تنحي باللائمـة على الحكومة الإسرائيلية، وتتهمها بالقصور في إقنـاع الإدارة الأميركية الحالية بأن حق دولة إسرائيل في الوجود مستمد أساسا، بل حصريا، من حق اليهود في فلسطين، باعتبارها وطنهم القومي الأصلي. وقد بلغ الأمر بأحد القادة التاريخيين في حزب "الليكود"، وهو وزير الدفاع الأسبق موشيه أرينز، أن عزا جوهر الخلافات الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى عدم فهم أصحاب القرار في "البيت الأبيض" مركزية هذا الحق في مبادئ الصهيونية ومبررات إقامة إسرائيل، ونزوع هؤلاء إلى الاعتقاد أن المحرقة النازية كانت العامل المركزي وراء إقامتها. وربما تجدر الإشارة إلى أن جانبا من هذا الإصرار الإسرائيلي على انتزاع استبطان أميركي بأن فلسطين هي وطن الشعب اليهودي، وبأن هذا الحق هو الحق الذي لا يُعلى عليه بالنسبة لإسرائيل، راجع إلى ما يمكن اعتباره سابقة في تاريخ العلاقات الإسرائيلية - الأميركية، حدثت إبان ولاية الإدارة الأميركية السابقة، برئاسة جورج بوش، وفحواها التساوق المفرط مع المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإضفاء الشرعية على الرواية التاريخية الصهيونية. وللعلم فإن بوش كان أول رئيس أميركي يشدّد، خلال خطابه في لقاء العقبة الدولي عام 2003، على فكرة الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وذلك بمجرّد طرحها من طرف رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، أرييل شارون. كما أنه استهل الخطاب، الذي ألقاه في الكنيست الإسرائيلية، في يوم 15 آب 2008، لمناسبة الذكرى الستين لإقامة إسرائيل، بالكلمات التالية: "لقد اجتمعنا لإحياء مناسبة بالغة الأهمية. وكان ديفيد بن غوريون قد أعلن قبل ستين عاما في تل أبيب استقلال دولة إسرائيل القائم على أساس الحق الطبيعي للشعب اليهودي في تقرير مصيره. وما تلا هذه الخطوة كان أكثر من مجرد إقامة دولة جديدة، كان استيفاء وعد قديم مُنح لأبرهام وموشيه وديفيد، بمعنى وطن قومي للشعب المختار على أرض إسرائيل". وفي مجرّد هذه التعابير ما يتطابق مع ماهية ردّ نتنياهو على خطاب أوباما، حسبما ورد سابقا. بقلم أنطـوان شلحـت - عكا (باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار) النهار 1-9-2009 |
تعليقات ومشاركات القراء
روعة واليهود ان شاء الله يخرجوا من عندنا للأبد الله يوخدهم بجهنم |



